الكشروت: ماذا يأكل اليهود ولماذا؟ وما الفرق بينه وبين الحلال
لحم بلا دم، ولا خنزير، ولا لحم مع حليب في وجبة واحدة. قواعد الطعام في اليهودية تشبه الحلال في أشياء وتختلف عنه في أخرى. دليل مبسّط بالمصادر.

في هذا المقال
«كوشير» كلمة عبرية تعني «الصالح» أو «المناسب»، و«الكشروت» هي مجموعة القواعد التي تحدد ما يصلح للأكل في الشريعة اليهودية. وهي من أكثر الشعائر حضورًا في الحياة اليومية لليهودي الملتزم، لأنها تتكرر في كل وجبة.
من أين تأتي القواعد؟
للكشروت ثلاث طبقات من المصادر:
- التوراة: تضع الأصول، في سفري اللاويين والتثنية خصوصًا، دون تفصيل كثير.
- التلمود: يفصّل الأحكام، ويخصص لها رسالة كاملة اسمها «حولين» تبحث في الذبح وما يتعلق به.
- كتب الفقه المتأخرة: وأهمها «الشولحان عاروخ» (المائدة المنضودة) الذي ألّفه الفقيه يوسف كارو في صفد ونُشر عام 1565، وفيه قسم كامل لأحكام الطعام. وما زال المرجع الأساسي حتى اليوم، مع الحواشي التي أضافها فقهاء اليهود الأشكناز.
الحيوانات المباحة والمحرّمة
تضع التوراة علامات لا قوائم مفصّلة:
- الحيوانات البرية: يُباح منها ما يجمع صفتين: الظلف المشقوق، والاجترار. فالبقر والغنم والماعز مباحة، والخنزير محرّم لأنه مشقوق الظلف لكنه لا يجترّ، والجمل محرّم لأنه يجترّ لكن ظلفه غير مشقوق.
- الأسماك: يُباح ما له زعانف وقشور. فالسمك العادي مباح، والقشريات والمحار محرّمة.
- الطيور: تذكر التوراة قائمة بالطيور المحرّمة، أغلبها جوارح. والدجاج والبط والإوز مباحة بحسب التقاليد المتوارثة.
- الحشرات: محرّمة في الجملة، مع استثناء أنواع من الجراد في بعض التقاليد، ومنها تقاليد يهود اليمن.
الذبح والفحص
لا يكفي أن يكون الحيوان مباحًا. يجب أن يُذبح ذبحًا شرعيًا اسمه الشحيطاه، على يد ذابح مدرّب اسمه «الشوحيط»، بسكين حادة جدًا خالية من أي ثلم، بقطع واحد سريع. أما السمك فلا يحتاج إلى ذبح.
بعد الذبح يُفحص الحيوان. فإن وُجد فيه عيب يُعتقد أنه كان سيقتله، كثقب في عضو حيوي، صار «طريفاه» أي محرّمًا حتى لو ذُبح ذبحًا صحيحًا. ويُفحص الرئتان خصوصًا: فإن كانتا ملساوين بلا التصاقات سُمّي اللحم «غلات»، أي أملس، وهي كلمة صارت تُستعمل اليوم على العبوات بمعنى «أشد التزامًا».
الدم والشحم وعرق النسا
- الدم: أكله محرّم، فيُستخرج من اللحم بالنقع في الماء ثم التمليح ثم الغسل، أو بالشواء المباشر على النار.
- أنواع من الشحم: تحرّم التوراة شحومًا معينة في الأبقار والأغنام، وتُزال عند التجهيز.
- عرق النسا: يحرَّم أكله استنادًا إلى قصة صراع يعقوب في سفر التكوين. ولأن إزالته من الأرباع الخلفية عمل دقيق ومكلف، تكتفي جماعات كثيرة خارج إسرائيل بالأرباع الأمامية وتبيع الخلفية في السوق العامة.
اللحم والحليب
تتكرر في التوراة ثلاث مرات عبارة: «لا تطبخ جديًا بلبن أمه». وفهم منها الفقهاء تحريم الجمع بين اللحم والحليب. ولذلك:
- لا تُؤكل الأطعمة اللحمية والحليبية في وجبة واحدة.
- يُنتظر بعد أكل اللحم ساعات قبل تناول الحليب. وتختلف المدة بين الجماعات، من ساعة إلى ست ساعات.
- تحتفظ البيوت الملتزمة بمجموعتين منفصلتين من الأواني: واحدة للحم وأخرى للحليب.
وهناك صنف ثالث محايد اسمه «پارڤي»، يشمل الخضار والفواكه والسمك والبيض، ويجوز أكله مع أي منهما.
الخمر وعيد الفصح
- الخمر: مباح في اليهودية، بل يُستعمل في الشعائر كبركة السبت. لكن يُشترط في الخمر «الكوشير» أن يصنعه يهود ملتزمون من أوله إلى آخره. ويُستثنى الخمر «المطبوخ» (ميڤوشال)، الذي يُسخَّن في أثناء صنعه، فلا يضرّه أن يلمسه غيرهم.
- عيد الفصح: تُضاف في أيام العيد قيود أخرى، فيُحرَّم كل ما فيه خميرة من الحبوب، وتستعمل بيوت كثيرة أواني خاصة بالعيد. وتفصيل ذلك في مقال الأعياد اليهودية.
شهادة «الكوشير» اليوم
مع انتشار الأغذية المصنّعة لم يعد المستهلك قادرًا على معرفة مكونات كل منتج. فنشأت هيئات تفحص المصانع وتمنح شهادة تُسمّى «هيخشير»، وتطبع رمزها على العبوات. وبدأ هذا النظام في الولايات المتحدة في عشرينيات القرن العشرين، وصار اليوم صناعة عالمية تطبع رموزها على عدد كبير من المنتجات في المتاجر، ويشتريها كثيرون من غير اليهود أيضًا.
الكشروت والحلال: ما المتشابه وما المختلف؟
يلتقي الكشروت والحلال في أصول كثيرة، لكنّ أحدهما ليس نسخة من الآخر.
| المسألة | الكشروت | الحلال |
|---|---|---|
| الخنزير | محرّم | محرّم |
| الدم | محرّم، ويُستخرج من اللحم بالتمليح | محرّم |
| الذبح | ذبح شرعي بيد ذابح مختص | ذبح شرعي مع التسمية |
| القشريات والمحار | محرّمة | مباحة عند جمهور الفقهاء |
| الجمل والأرنب | محرّمان | مباحان |
| الجمع بين اللحم والحليب | محرّم | مباح |
| الخمر | مباح، وله أحكام خاصة في صنعه | محرّم |
هل يأكل المسلم من ذبائح اليهود؟
يستند فقهاء المسلمين إلى قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ (المائدة: 5). ولذلك يرى كثير منهم أن ذبيحة اليهودي حلال للمسلم إذا ذُبحت على طريقتهم، ويشترط بعضهم ذكر اسم الله عليها. أما في الاتجاه المعاكس، فاللحم «الحلال» لا يُعدّ «كوشير» في الفقه اليهودي، لأنه يشترط ذابحًا يهوديًا وفحصًا خاصًا وتمليحًا.
جدل الذبح في أوروبا
تشترط الكشروت أن يُذبح الحيوان وهو واعٍ وسليم، بلا صعق قبل الذبح، ويشترط ذلك أيضًا كثير من فقهاء المسلمين وهيئات الحلال، وإن أجاز آخرون صعقًا لا يقتل الحيوان. وهذا ما جعل الذبيحتين معًا في قلب جدل أوروبي حول الرفق بالحيوان. فقد حظرت سويسرا الذبح دون صعق منذ عام 1893، وتبعتها دول أخرى في القرن العشرين والحادي والعشرين، منها السويد والدنمارك ومنطقتا فلاندرز ووالونيا في بلجيكا. وفي عام 2020 أيدت محكمة العدل الأوروبية حق الدول الأعضاء في فرض هذا الحظر. ويرى اليهود والمسلمون المتدينون في هذه القوانين تضييقًا على حريتهم الدينية، ويرد مؤيدوها بأنها حماية للحيوان، ولا يزال النقاش مفتوحًا.
لماذا هذه القواعد؟
تقدّم التوراة الكشروت أمرًا إلهيًا وعلامة على «القداسة»، دون أن تشرح علّته. وحاول فلاسفة يهود، منهم موسى بن ميمون في «دلالة الحائرين»، تقديم تفسيرات صحية أو أخلاقية لبعض الأحكام: فرأى مثلًا أن الأطعمة المحرّمة ضارة بالجسم في الغالب، وأن الذبح السريع أرحم بالحيوان. ومع ذلك يرى أغلب المتدينين أن الالتزام بها طاعة قبل أن يكون حكمة مفهومة.
المصادر والمراجع
- سفر اللاويين 11، وسفر التثنية 14: 3–21. قوائم الحيوانات والطيور والأسماك المباحة والمحرّمة.
- سفر الخروج 23: 19 و34: 26، وسفر التثنية 14: 21. «لا تطبخ جديًا بلبن أمه»، أصل الفصل بين اللحم والحليب.
- سفر التكوين 32: 32. أصل تحريم «عرق النسا».
- Joseph Karo، Shulchan Aruch, Yoreh De'ah، 1565. المرجع الفقهي الأساسي لأحكام الذبح والطعام.
- موسى بن ميمون، دلالة الحائرين، الجزء الثالث، الفصل 48. محاولة لتعليل أحكام الطعام.
- Hayim Halevy Donin، To Be a Jew: A Guide to Jewish Observance in Contemporary Life ، Basic Books، 1972.
- George Robinson، Essential Judaism: A Complete Guide to Beliefs, Customs, and Rituals ، Pocket Books، 2000.


