الصلاة في اليهودية: ثلاث صلوات وأدوات الشعائر
يصلّي اليهودي الملتزم ثلاث مرات في اليوم متجهًا إلى القدس، ويضع على جسده أدوات لها أصول في التوراة: الشال المهدّب، والعلبتان الجلديتان، وما يُعلّق على باب البيت.

في هذا المقال
بعد هدم الهيكل في القدس عام 70 للميلاد توقفت القرابين، فصارت الصلاة هي العبادة اليومية المركزية في اليهودية. ويرى الحاخامات أن الصلوات الثلاث حلّت محل القرابين التي كانت تُقدَّم في الهيكل.
ثلاث صلوات في اليوم
- صلاة الصباح (شحريت): أطولها، وتُقال بعد الفجر وقبل مضي ثلث النهار تقريبًا.
- صلاة بعد الظهر (منحاه): قصيرة، وتُقال قبل الغروب.
- صلاة المساء (معريف): بعد حلول الظلام.
وتُضاف في السبت والأعياد صلاة رابعة اسمها «موساف»، أي «الإضافية»، تذكيرًا بالقربان الإضافي الذي كان يُقدَّم في تلك الأيام. وفي يوم الغفران وحده صلاة خامسة عند الغروب اسمها «نعيلاه»، أي «الإغلاق»، تختم الصيام. ويتجه المصلّي في أي مكان من العالم نحو القدس.
الشماع والعميداه
قلب الصلاة اليهودية نصّان:
- «الشماع»: يبدأ بآية من سفر التثنية: «اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا رب واحد». وهي إعلان التوحيد في اليهودية، ويُقال صباحًا ومساءً، ويقوله كثيرون قبل النوم أيضًا.
- «العميداه»: أي «الصلاة وقوفًا»، وتُسمّى أيضًا «الثماني عشرة» لأنها كانت في الأصل ثماني عشرة بركة، ثم أُضيفت إليها بركة تاسعة عشرة. يقولها المصلّي واقفًا بصوت خافت، متجهًا إلى القدس، وقدماه متلاصقتان.
ومن النصوص المشهورة أيضًا «القاديش»، وهو دعاء بالآرامية في تمجيد الله، يقوله أبناء المتوفى في الصلاة بعد وفاته، ولا يُقال إلا في جماعة. وتُختم الصلوات عادةً بنص اسمه «عَلينو»، يعلن انتظار يوم يعترف فيه العالم كله بإله واحد.
المنيان: صلاة الجماعة
بعض أجزاء الصلاة لا تُقال إلا في جماعة لا تقل عن عشرة بالغين تُسمّى «المنيان». وفي اليهودية الأرثوذكسية يُشترط أن يكون العشرة رجالًا، بينما تحسب التيارات غير الأرثوذكسية النساء أيضًا. ويجوز للمصلّي أن يصلي منفردًا إن لم يجد جماعة، لكنّ الصلاة في الجماعة أفضل.
كتاب الصلاة
ظلت الصلوات قرونًا تُحفظ وتُتلى من الذاكرة. وأقدم كتاب صلاة منظّم وصل إلينا هو «سِدر رَب عمرام» الذي كتبه عمرام غاؤون، رئيس أكاديمية سورا في العراق، في القرن التاسع الميلادي، جوابًا عن سؤال من يهود الأندلس. وفي القرن العاشر كتب سعيد بن يوسف الفيومي، المعروف بسعديا غاؤون، كتاب صلاة كتب شروحه وتعليماته بالعربية بحروف عبرية، لأن العربية كانت لغة اليهود اليومية في العالم الإسلامي.
ويُسمّى كتاب الصلوات اليومية «سِدّور» أي «الترتيب»، ويُسمّى كتاب صلوات الأعياد «محزور».
أكثر من صيغة
لا توجد صيغة واحدة للصلاة اليهودية. فالأصول واحدة، لكنّ كل جماعة كبرى طوّرت «نوساح» أي صيغة خاصة بها في الترتيب والنصوص والألحان:
- الأشكناز: يهود ألمانيا وأوروبا الشرقية.
- السفارديم: يهود الأندلس وأحفادهم في شمال أفريقيا والدولة العثمانية.
- اليمنيون: يحفظون صيغة قديمة تتأثر بكتابات ابن ميمون.
- الإيطاليون: من أقدم الصيغ المستمرة في أوروبا.
أدوات الصلاة
- التاليت (شال الصلاة): شال مستطيل في زواياه الأربع أهداب معقودة اسمها «التسيتسيت»، تنفيذًا لأمر في سفر العدد. يرتديه الرجال في صلاة الصباح.
- التفيلين: علبتان جلديتان صغيرتان فيهما رقاع مكتوب عليها آيات من التوراة، منها «الشماع». تُربط إحداهما على الذراع مقابل القلب، والأخرى على الجبين، بسيور جلدية. يضعها الرجال في صلاة الصباح أيام الأسبوع، لا في السبت والأعياد. وأصلها في آية: «واربطها علامة على يدك، ولتكن عصائب بين عينيك».
- المزوزاه: علبة صغيرة فيها رقعة مكتوب عليها «الشماع»، تُثبّت على قائمة الباب الأيمن في بيوت اليهود، ويلمسها كثيرون عند الدخول والخروج. وتُثبَّت عند الأشكناز مائلة، حلًّا وسطًا بين رأيين فقهيين قديمين: أحدهما يوجب تثبيتها قائمة، والآخر أفقية.
- الكيباه: طاقية صغيرة يغطي بها الرجال رؤوسهم. وهي عادة متوارثة لا أمر صريح في التوراة، ويرتديها بعضهم في الصلاة فقط، وبعضهم طوال اليوم.
كثير من أدوات الصلاة اليهودية ترجمة حرفية لآيات من التوراة: النص يُكتب ويُلبس ويُعلّق على الباب.
بأي لغة يصلّون؟
يصلّي اليهود بالعبرية في الأغلب، مع نصوص بالآرامية مثل «القاديش». لكنّ الفقه اليهودي يجيز الصلاة بأي لغة يفهمها المصلّي، وقد كانت كتب صلاة كثيرة تحمل ترجمات وشروحًا بلغات الجاليات، ومنها العربية عند يهود العالم الإسلامي. وتمزج التيارات الإصلاحية اليوم العبرية بلغة البلد.
أوجه شبه مع الصلاة في الإسلام
يلاحظ القارئ المسلم أوجه شبه: أوقات محددة في اليوم، واتجاه واحد في الصلاة، وفضل لصلاة الجماعة، وإعلان التوحيد في قلب الصلاة. وتختلف الصلاتان في الهيئة والنصوص واللغة. فلا ركوع ولا سجود في الصلاة اليهودية اليومية، بل انحناءات قصيرة في مواضع محددة من العميداه، ولا يسجد الأشكناز سجودًا كاملًا إلا في مواضع قليلة من صلوات رأس السنة ويوم الغفران.
تجربة مصرية
ولهذا التشابه قصة لافتة. فقد أُعجب إبراهيم بن موسى بن ميمون (1186–1237)، رئيس يهود مصر في العصر الأيوبي، بالمتصوفة المسلمين، ورأى في عباداتهم ما يحفظ صورة أقدم من العبادة اليهودية. فدعا إلى الوقوف في صفوف منتظمة، والسجود في الصلاة، وغسل اليدين والقدمين قبلها. واجه الدعوة اعتراض كثير من معاصريه، ولم تستمر بعده، لكنها بقيت شاهدًا على قرون من التفاعل بين اليهود والمسلمين في القاهرة.
المصادر والمراجع
- سفر التثنية 6: 4–9، وسفر العدد 15: 37–41. نص «الشماع»، وأصل التفيلين والمزوزاه والأهداب.
- Hayim Halevy Donin، To Pray as a Jew: A Guide to the Prayer Book and the Synagogue Service ، Basic Books، 1980.
- Ismar Elbogen، Jewish Liturgy: A Comprehensive History ، Jewish Publication Society، 1993. الترجمة الإنجليزية لدراسة ألمانية صدرت عام 1913.
- إبراهيم بن موسى بن ميمون، كفاية العابدين. كتاب بالعربية في العبادة، فيه دعوته إلى الإصلاحات المستوحاة من المتصوفة.
- George Robinson، Essential Judaism: A Complete Guide to Beliefs, Customs, and Rituals ، Pocket Books، 2000.


