جمعية ثول: ما الذي ربطها حقًا بهتلر؟
جمعية قومية سرية في ميونيخ عام 1918، مزجت الأساطير الجرمانية بمعاداة السامية، وساعد أعضاؤها في نشأة الحزب الذي صار النازي. ما الحقيقة، وما الذي أضافته كتب «النازية السحرية»؟

في هذا المقال
تقدم كتب وأفلام كثيرة جمعية ثول بوصفها القوة السحرية الخفية وراء هتلر. والواقع أقل غرابة وأشد إثارة للقلق: جمعية من وجهاء ميونيخ الغاضبين، جمعت أساطير العرق والكراهية، وساعدت في مرحلة حرجة على ولادة حركة سياسية.
التربة: أساطير العرق
في أواخر القرن التاسع عشر انتشر في ألمانيا والنمسا تيار «الفولكيش»، الذي يقدّس الشعب الجرماني. وأضاف إليه كتّاب مثل غيدو فون ليست ويورغ لانتس فون ليبنفلس أفكارًا غيبية عن أصل «آري» قديم، سمّاها الباحثون «الأريوسوفيا». وفي عام 1912 تأسس «التنظيم الجرماني»، جماعة سرية معادية لليهود تفحص أصل المتقدمين إليها.
و«ثول» اسم أرض شمالية بعيدة ذكرها الجغرافيون اليونان، وصارت عند هؤلاء موطنًا أسطوريًا.
سيبوتندورف
مؤسس الجمعية شخصية مريبة. وُلد آدم غلاور في ألمانيا لأسرة متواضعة، وتنقل حتى عاش في الدولة العثمانية، حيث اهتم بالتصوف والخيمياء، ثم حمل لقب البارون رودولف فون سيبوتندورف. وعام 1918 أقام في ميونيخ فرعًا للتنظيم الجرماني تحت اسم «جمعية ثول»، وكان الاسم غطاءً يوحي بدراسة التراث الجرماني.
عقدت الجمعية لقاءاتها في غرف مستأجرة في فندق فير ياهرسسايتن، واشترى مؤسسها صحيفة صارت لاحقًا لسان الحزب النازي: «فولكيشر بيوباختر».
ميونيخ 1919
بعد هزيمة ألمانيا والثورة، قامت في بافاريا جمهورية سوفييتية قصيرة العمر في أبريل 1919. وعملت الجمعية على مواجهتها بالتجسس وجمع السلاح. وفي أواخر أبريل أُعدم رهائن كان بينهم أعضاء منها، فزادت الحادثة نقمة اليمين في المدينة.
من الجمعية إلى الحزب
أرادت ثول الوصول إلى العمال. فشجّع عضوها الصحفي كارل هارر على إنشاء حلقة صغيرة مع عامل السكك الحديدية أنطون دريكسلر، ومنها وُلد في يناير 1919 «حزب العمال الألماني».
وفي سبتمبر 1919 حضر اجتماعًا للحزب عريف اسمه أدولف هتلر، أرسله الجيش لمراقبته. فانضم إليه، وصار خطيبه الأبرز، ثم تحوّل الحزب إلى الحزب النازي عام 1920.
لا يوجد دليل على أن هتلر كان عضوًا في جمعية ثول. الصلة حقيقية، لكنها عبر الحزب وأشخاص حوله.
من كان حولها؟
تتردد في تاريخها أسماء مثل رودولف هيس وهانس فرانك وألفريد روزنبرغ وديتريش إيكارت، بصفة أعضاء أو ضيوف، والمصادر لا تتفق على كل اسم. لكنّ هتلر لم يكن يحب هذا الوسط، وسخر في كتابه «كفاحي» من الذين يتحدثون عن الجرمان القدماء ولا يعملون. ومع خروج هارر من الحزب خف دور الجمعية، ثم اختفت في منتصف العشرينيات.
عودة سيبوتندورف ونهايته
عاد سيبوتندورف إلى ألمانيا عام 1933 ونشر كتابًا عنوانه «قبل أن يأتي هتلر»، ينسب فيه لنفسه ولجمعيته فضل صعود النازية. فلم يعجب ذلك النظام: مُنع الكتاب واعتُقل صاحبه، ثم عاد إلى تركيا. وتقول الرواية إنه أغرق نفسه في البوسفور عام 1945.
«النازية السحرية»
في عام 1960 نشر الفرنسيان لوي بوفيل وجاك برجييه كتاب «صباح السحرة»، الذي صوّر ثول مركزًا لقوى غيبية. ثم تتابعت كتب تتحدث عن مجتمع «فريل» وطقوس تستحضر الشياطين. ويبيّن المؤرخ نيكولاس غودريك كلارك أن كثيرًا من هذه المزاعم بلا سند.
وخطر هذه الروايات أنها تعفي البشر من المسؤولية: فحين نقول إن قوى سحرية حركت النازية، ننسى أن الكراهية، والحرب الخاسرة، والأزمة الاقتصادية، والسياسيين الانتهازيين، كانت كافية. ولعب في ذلك دورًا نص مزوّر هو «بروتوكولات حكماء صهيون»، الذي انتشر في أوساط اليمين الألماني بعد الحرب.
لكنّ مؤرخين مثل إريك كورلاندر يذكّرون بأن الاهتمام بالأفكار الغيبية كان موجودًا فعلًا عند بعض قادة النازية، مثل هاينريش هيملر. فالسؤال الدقيق ليس هل حكم السحر ألمانيا، بل كيف خدمت لغة الأساطير سياسة العنف.
المصادر والمراجع
- Nicholas Goodrick-Clarke، The Occult Roots of Nazism: The Ariosophists of Austria and Germany, 1890–1935 ، Aquarian Press، 1985.
- Eric Kurlander، Hitler's Monsters: A Supernatural History of the Third Reich ، Yale University Press، 2017.
- Hermann Gilbhard، Die Thule-Gesellschaft: vom okkulten Mummenschanz zum Hakenkreuz ، Kiessling، 1994.
- Richard B. Spence، The Real History of Secret Societies ، The Great Courses، 2019.


