فرسان الهيكل: من حراسة الحجاج إلى محرقة باريس
رهبان محاربون بدأوا ببضعة رجال في القدس، ثم صاروا من أغنى مؤسسات أوروبا، وانتهوا بالاعتقال والتعذيب والحرق. ما الذي يثبته التاريخ عن فرسان الهيكل، وما الذي أضافته الأساطير؟

في هذا المقال
قليل من الجماعات في التاريخ أحاطت بها الحكايات كما أحاطت بفرسان الهيكل: حرّاس الكأس المقدسة، وعبدة وثن غامض، وأجداد الماسونيين. لكنّ التاريخ الموثق لا يقل إثارة، وهو يبدأ ببضعة فرسان في القدس.
البداية في القدس
بعد أن استولى الصليبيون على القدس عام 1099 ظلت طرق الحجاج المسيحيين غير آمنة. ونحو عام 1119 تعهّد الفارس الفرنسي هوغ دي باين وعدد قليل من رفاقه، تذكر الروايات أنهم تسعة، بحماية هذه الطرق. فمنحهم بلدوين الثاني، ملك القدس الصليبي، مقرًا في الحرم الشريف قرب المسجد الأقصى، الذي ظنّه الصليبيون «هيكل سليمان». ومن هنا جاء الاسم: «جنود المسيح الفقراء وهيكل سليمان». وتسمّيهم المصادر العربية «الداوية».
وكانت الفكرة جديدة: رجل هو راهب وفارس معًا. وأيّدها برنار دي كليرفو، أبرز رجال الكنيسة في زمنه، فاعترف مجمع تروا بالتنظيم عام 1129. وفي عام 1139 أصدر البابا إنوسنت الثاني مرسومًا جعلهم تابعين للبابا مباشرة، خارج سلطة الأساقفة المحليين.
جنود ومصرفيون
لم يكن كل أعضاء التنظيم مقاتلين. فالفرسان بالعباءة البيضاء والصليب الأحمر كانوا أقلية، وخلفهم رقباء وخدم وإداريون يديرون مزارع وأملاكًا وُهبت لهم في أنحاء أوروبا.
ومن هذه الشبكة نشأ دورهم المالي. كان الحاج يودع ماله في بيت للتنظيم في أوروبا ويستلم ما يقابله في المشرق، فلا يحمل ذهبًا في الطريق. ثم صار الملوك يودعون عندهم الأموال ويقترضون منهم. وهذا ما جعلهم أقرب إلى مؤسسة مالية عابرة للبلدان، وأكثر عرضة للحسد.
ما كان سريًا فعلًا
كانت اجتماعات التنظيم مغلقة، وطقوس قبول الأعضاء تُقام بلا شهود من الخارج. وهي سرية مألوفة في مؤسسة عسكرية رهبانية، لكنها فتحت الباب لاحقًا لكل ظن.
الهزيمة في المشرق
قاتل الداوية المسلمين في معارك كثيرة. وبعد معركة حطين عام 1187 أمر صلاح الدين بإعدام أسراهم وأسرى الإسبتارية. ثم سقطت عكا عام 1291، فخسر الصليبيون آخر معاقلهم الكبرى، وفقد التنظيم مبرر وجوده أمام كثير من الأوروبيين.
الجمعة 13 أكتوبر 1307
كان الملك الفرنسي فيليب الرابع غارقًا في الديون. وفي فجر 13 أكتوبر 1307 اعتقل رجاله أعضاء التنظيم في أنحاء فرنسا في عملية واحدة. ووُجّهت إليهم تهم إنكار المسيح والبصق على الصليب والممارسات الجنسية المحرمة وعبادة رأس أو وثن.
انتُزعت أغلب الاعترافات بالتعذيب، ومنها اعتراف المعلم الأكبر جاك دي مولاي، الذي رجع عنه لاحقًا. ويرى أغلب المؤرخين، ومنهم مالكولم باربر، أن التهم ملفقة في معظمها، وأن دوافعها مالية وسياسية.
وتحت ضغط فيليب ألغى البابا كليمنت الخامس التنظيم عام 1312 في مجمع فيين، بقرار إداري لا بحكم إدانة، ونُقلت أملاكه إلى الإسبتارية. وفي مارس 1314 أعلن دي مولاي براءة التنظيم علنًا، فأُحرق في جزيرة صغيرة في نهر السين.
أُلغي التنظيم بقرار بابوي، لكن الكنيسة لم تصدر قط حكمًا نهائيًا بأنه مذنب.
وثيقة شينون
في عام 2001 عثرت الباحثة باربرا فرالي في أرشيف الفاتيكان على وثيقة تعود إلى 1308، تبيّن أن مبعوثي البابا منحوا دي مولاي وقادة آخرين الغفران في قلعة شينون. وهي تدل على أن البابا لم يكن يعدّهم هراطقة نهائيًا، لكنها لم تنقذهم من مصيرهم.
الأساطير
- بافوميت: اسم الوثن المزعوم في اعترافات بعض المتهمين. ويرجّح باحثون أنه تحريف فرنسي قديم لاسم «محمد»، أي أنه يعكس ما ظنه الأوروبيون عن الإسلام. أما صورة بافوميت ذي القرنين الشائعة فرسمها الفرنسي إليفاس ليفي في القرن التاسع عشر.
- لعنة دي مولاي: تقول الحكاية إنه دعا الملك والبابا إلى المثول أمام الله خلال عام. وقد ماتا في 1314 فعلًا، لكن الحكاية صيغت بعد وقوع الأحداث.
- يوم الجمعة 13: لا دليل على أن التشاؤم الحديث بهذا اليوم يعود إلى الاعتقالات.
- الكنز والكأس: لا دليل على أي منهما. والربط بالكأس المقدسة جاء من الأدب الوسيط ثم من كتب حديثة.
البقاء بعد الموت
في البرتغال تحوّل فرسان الهيكل عام 1319 إلى «تنظيم المسيح» برعاية الملك. وبعد أربعة قرون، في القرن الثامن عشر، زعمت فروع ماسونية أنها ورثت أسرارهم. ولا يوجد دليل على هذا التسلسل، لكنه يبيّن قوة الاسم: فالجماعة التي أُلغيت في 1312 عاشت بعد ذلك قرونًا في خيال الجمعيات السرية، ومنها المتنوّرون البافاريون.
المصادر والمراجع
- Malcolm Barber، The New Knighthood: A History of the Order of the Temple ، Cambridge University Press، 1994.
- Malcolm Barber، The Trial of the Templars ، Cambridge University Press، 1978.
- Barbara Frale، The Chinon Chart: Papal Absolution to the Last Templar, Master Jacques de Molay ، Journal of Medieval History 30، 2004.
- Richard B. Spence، The Real History of Secret Societies ، The Great Courses، 2019.


