مخطوطة رُهونتس: 448 صفحة بخط لم يقرأه أحد
مخطوطة صغيرة في مكتبة الأكاديمية المجرية للعلوم، مكتوبة بنحو 800 علامة مجهولة، وفيها 87 رسمًا لصلبان وأهلّة وشموس. أهي خدعة من القرن التاسع عشر، أم شيفرة حقيقية من القرن السادس عشر؟

في هذا المقال
إن كانت مخطوطة فوينيتش أشهر لغز في عالم المخطوطات، فمخطوطة «رُهونتس» أخت صغيرة لها في الغموض. صفحاتها 448 صفحة من الورق، صغيرة الحجم (نحو 12 × 10 سنتيمترات)، مكتوبة بخط لا يعرفه أحد.
من أين جاءت؟
تحتفظ بها مكتبة الأكاديمية المجرية للعلوم في بودابست تحت الرقم K 114. وصلت إليها عام 1838 هديةً من الكونت غوستاف باتياني ضمن مكتبته كاملة. وكانت قبل ذلك محفوظة في بلدة رُهونتس، التي تُعرف اليوم باسم ريشنيتس في إقليم بورغنلاند في النمسا، وكان فيها قصر لأسرة باتياني. ومن البلدة أخذت المخطوطة اسمها.
ولا نعرف كيف وصلت إلى مكتبة الأسرة، ولا متى. فلا يذكرها فهرس قديم، ولا تحمل اسم مالك أو ناسخ يمكن قراءته.
ورقها على الأرجح ورق بندقي من ثلاثينيات القرن السادس عشر، بحسب العلامة المائية فيه. لكن تاريخ الورق لا يحدد تاريخ الكتابة: فقد يُكتب على ورق قديم بعد صنعه بزمن طويل.
خط مجهول
أحصى الباحث نيماتي عام 1889 نحو 792 علامة مختلفة في المخطوطة. وهذا عدد كبير جدًا بالنسبة لأبجدية، وأكثر العلامات نادرة التكرار.
لماذا يهمّ عدد العلامات؟
عدد الرموز في نظام كتابة يكشف نوعه:
- الأبجديات: بين عشرين وأربعين حرفًا عادةً، كالعربية والعبرية واللاتينية.
- الكتابات المقطعية: كل رمز مقطع صوتي، وعدد رموزها بين أربعين ومئة تقريبًا، كالكتابة اليابانية «كانا».
- الكتابات الرمزية: كل رمز كلمة أو فكرة، وعدد رموزها بالمئات أو الآلاف، كالصينية.
لذلك يرجّح بعض الباحثين أن كتابة رهونتس ليست أبجدية بسيطة، بل مقطعية أو رمزية، أو أبجدية تُضاف إليها رموز لكلمات كاملة، على طريقة الشيفرات الأوروبية في القرن السادس عشر. ويرجّح بعض الدارسين أيضًا أن الأسطر مكتوبة من اليمين إلى اليسار.
الرسوم
في المخطوطة 87 رسمًا بسيطًا لمشاهد دينية ودنيوية وعسكرية، تجتمع فيها رموز مختلفة: الصليب والهلال والشمس. وتشبه كثير من المشاهد الدينية موضوعات مسيحية مألوفة، منها الصلب. وتحمل بعض الرسوم كلمات بالخط المجهول فوق الشخصيات، كأنها أسماؤها.
وهذا المزيج هو ما جعل كل باحث يقرأ فيها الحضارة التي يميل إليها: فمن رأى الهلال ظنها عثمانية، ومن رأى الصليب ظنها مسيحية.
فرضيات كثيرة ولا حلّ مقبول
- خدعة من القرن التاسع عشر: رأى الباحث المجري كارولي سابو عام 1866 أنها من صنع سامويل ليتيراتي نيمِش، وهو جامع آثار معروف بالتزوير. وظل هذا الرأي سائدًا في الأوساط المجرية، مع أنه لا يوجد دليل مباشر يربط المخطوطة به.
- لغة الفلاخ الرومانية: ادّعت باحثة رومانية عام 2002 أنها تاريخ للفلاخ من القرنين الحادي عشر والثاني عشر. وانتُقدت قراءتها بشدة لضعف منهجها.
- المجرية القديمة والهندية: ظهرت قراءات أخرى بالمجرية القديمة وبخط براهمي هندي، وكلها رُفضت لعدم اتساقها.
كلما تعددت «الحلول» المتناقضة للغز واحد، صار ذلك دليلًا على أن أيًا منها لم يُثبت بعد.
لماذا يضعف القول بالخدعة؟
يصعب تصديق أن مزوّرًا صنع 448 صفحة بنظام كتابة متسق ونحو 800 علامة، ثم لم يحاول بيعها أو الإعلان عنها أو الاستفادة منها. وتشير دراسات إحصائية إلى أن العلامات تتكرر وفق أنماط منتظمة تشبه نصًا حقيقيًا، لا خربشة عشوائية. هذا لا يثبت أنها قديمة، لكنه يجعل فرضية «الخدعة السريعة» أضعف مما بدت في القرن التاسع عشر.
قراءة أحدث: شيفرة لا خدعة
يرى المؤرخ بينيديك لانغ، المتخصص في تاريخ الشيفرات في المجر، أن المخطوطة ليست خدعة، بل نص كُتب عمدًا بنظام سري: شيفرة، أو اختزال، أو لغة مخترعة. ويذكّر بأن أوروبا الوسطى في القرنين السادس عشر والسابع عشر عرفت أنظمة تشفير كثيرة في المراسلات الدبلوماسية والشخصية، وأن المخطوطة تبدو في هذا السياق أقل غرابة مما تبدو منفردة.
وفي عام 2018 نشر الباحثان المجريان ليفنته زولتان كيراي وغابور توكاي دراسة في مجلة «كريبتولوجيا» المتخصصة في تاريخ الشيفرات، قالا فيها إن المخطوطة «نظام ترميز» لكتاب صلوات كاثوليكي فيه إعادة صياغة لنصوص من العهد الجديد، وإنها تعود إلى عام 1593. هذه القراءة لافتة، لكنها لم تخضع بعد لتقييم مستقل واسع، ولم يقدّم أحد حتى الآن ترجمة كاملة يمكن التحقق منها.
رهونتس وفوينيتش
تُذكر المخطوطتان معًا كثيرًا، لكنّ الفروق بينهما كبيرة:
| المسألة | رهونتس | فوينيتش |
|---|---|---|
| المادة | ورق | رَقّ |
| التأريخ العلمي | ورق من القرن السادس عشر | فحص كربوني: مطلع القرن الخامس عشر |
| عدد العلامات | نحو 800 | بين 20 و30 تقريبًا |
| الرسوم | مشاهد دينية وعسكرية بسيطة | نباتات وأفلاك ونساء في أحواض، بالألوان |
لماذا تهمّنا؟
مخطوطة رهونتس درس في المنهج: الغموض لا يعني وجود سرّ عظيم، والحلول المعلنة تحتاج إلى أن تُختبر على صفحات لم يرها صاحبها. وهي، مع مخطوطة فوينيتش، تذكير بأن بعض الأسئلة تبقى مفتوحة رغم كل الأدوات الحديثة.
المصادر والمراجع
- Benedek Láng، Real Life Cryptology: Ciphers and Secrets in Early Modern Hungary ، Amsterdam University Press، 2018.
- Benedek Láng، Why Don't We Decipher an Outdated Cipher System? The Codex of Rohonc ، Cryptologia 34، 2010.
- Levente Zoltán Király, Gábor Tokai، Cracking the code: the Rohonc Codex ، Cryptologia 42، 2018.
- Library of the Hungarian Academy of Sciences، Rohonc Codex (K 114) ، MTA Könyvtár.
- File:Pages from the Rohonc Codex.jpg ، Wikimedia Commons. مصدر صورة الغلاف.


