لفافة ريبلي: خريطة مصوّرة لحجر الفلاسفة
لفائف طويلة ملوّنة تحمل اسم الخيميائي الإنجليزي جورج ريبلي، يبقى منها نحو 23 نسخة متفرقة بين مكتبات أوروبا وأمريكا. ماذا ترسم، ولماذا يشكّ الباحثون في أن ريبلي رسمها؟

في هذا المقال
ليست «لفافة ريبلي» مخطوطة واحدة، بل عائلة من اللفائف المصوّرة. يبقى منها اليوم نحو 23 نسخة، كلها تنويعات على أصل مفقود من القرن الخامس عشر، وتتوزع بين المكتبة البريطانية ومتحف العلوم في لندن ومجموعة ويلكم ومتحف فيتزويليام في كامبريدج ومكتبة بودلي في أكسفورد ومكتبة جامعة برينستون وغيرها. ويصل طول بعضها إلى نحو ستة أمتار، فلا يمكن رؤيتها كاملة إلا بفردها على طاولة طويلة أو تعليقها على جدار.
من هو جورج ريبلي؟
جورج ريبلي (نحو 1415–1490) كاهن إنجليزي من رهبنة القديس أوغسطين، عُرف بلقب «كاهن بريدلينغتون» نسبةً إلى ديره في مقاطعة يوركشاير، وأمضى سنواته الأخيرة متنسكًا. وتنسب إليه الروايات المتأخرة رحلات إلى إيطاليا وثروة صنعها من الخيمياء، لكنها روايات لا تسندها وثائق معاصرة.
«مركّب الخيمياء» والأبواب الاثنا عشر
أشهر مؤلفاته منظومة شعرية بالإنجليزية عنوانها «مركّب الخيمياء» (1471)، أهداها إلى الملك إدوارد الرابع. وفيها يشبّه العمل الخيميائي بقلعة لها اثنا عشر بابًا، كل باب مرحلة من مراحل صنع الحجر:
- من التكليس إلى التعفّن: التكليس، والإذابة، والفصل، والاقتران، والتعفّن.
- من التجميد إلى الإسقاط: التجميد، والتغذية، والتصعيد، والتخمير، والإعلاء، والتكثير، ثم الإسقاط، أي إلقاء الحجر على المعدن ليتحول.
طُبعت المنظومة لأول مرة في لندن عام 1591، ثم أعاد إلياس أشمول نشرها عام 1652 في مجموعته «المسرح الكيميائي البريطاني». وظل ريبلي مرجعًا للخيميائيين الإنجليز قرنين، حتى إن الخيميائي جورج ستاركي نشر عام 1678، باسمه المستعار «إيريناوس فيلاليثيس»، شروحًا على أعماله بعنوان «ريبلي يُبعث من جديد». وكان إسحاق نيوتن من قرّاء ستاركي.
هل رسم ريبلي اللفافة؟
لا دليل على ذلك. فاللفائف تحمل اسمه لأن بعضها يتضمن أبياتًا منسوبة إليه، لكن لا شيء يربط تصميمها به مباشرة. وحتى أشمول، حين نشر الأبيات المكتوبة على اللفائف، عنونها بأنها «أبيات تخص لفافة رمزية، يُظن أن جورج ريبلي ابتكرها». فالتحفظ قديم قدم النشر نفسه.
وتبيّن أبحاث المؤرخة جنيفر رامبلينغ، التي فهرست كل ما نُسب إلى ريبلي من مخطوطات، أن اسمه صار في القرنين السادس عشر والسابع عشر «علامة» يُنسب إليها كثير من المادة الخيميائية الإنجليزية لإكسابها مكانة. وكثير مما يحمل اسمه كُتب بعد وفاته بعقود.
اسم المؤلف على مخطوطة خيميائية لا يعني دائمًا أنه كتبها؛ كثيرًا ما يعني أن ناسخها أراد أن يمنحها ثقلًا.
ماذا ترسم؟
تُقرأ اللفافة من أعلى إلى أسفل، وتحكي بالصور مراحل صنع «حجر الفلاسفة»، المادة التي اعتقد الخيميائيون أنها تحوّل المعادن الخسيسة إلى ذهب. ومن صورها المتكررة:
- الإناء الزجاجي: يتكرر في مراحل متتالية، وتتغير محتوياته من السواد إلى البياض إلى الحمرة.
- الضفدع: رمز «المادة الأولى» وهي تتحلّل في الإناء.
- الشجرة: شجرة تحمل ثمارًا رمزية، تمثّل نمو الحجر.
- الشمس والقمر: رمزا الذهب والفضة، أو المبدأين الذكري والأنثوي اللذين يجب أن يقترنا.
- التنين: يظهر في أسفل كثير من النسخ، رمزًا للمادة في حالتها الخام.
- الناسك: في نهاية بعض النسخ يظهر ريبلي نفسه في هيئة حاجّ أو ناسك.
طائر هرمس
من أشهر الأبيات المكتوبة على اللفائف بيت على لسان طائر يقول: «طائر هرمس اسمي، آكلُ جناحيّ لأروّض نفسي». والطائر الذي يأكل جناحيه صورة لمادة متطايرة «تُثبَّت» بالتسخين المتكرر حتى لا تعود تتبخر. وهذه طريقة الخيميائيين المعتادة: يصفون عملية مختبرية بصورة شعرية لا يفهمها إلا من يعرف الرموز.
نسخ من عصور مختلفة
اختلفت النسخ في تفاصيلها وجودتها بحسب ناسخها وعصره. فنسخة المكتبة البريطانية رُسمت في مدينة لوبيك الألمانية عام 1588، ونسختا مجموعة ويلكم ومتحف فيتزويليام من القرن السادس عشر، ونسخة متحف العلوم من القرن الثامن عشر. أما نسخة الغلاف فنسخها ليونارد سميثلي عام 1624.
ويدل هذا الانتشار الزمني على أن اللفافة لم تكن سرًّا يتناقله قلة من المريدين، بل نموذجًا يُنسخ ويُعاد رسمه لهواة الخيمياء وجامعي التحف، مثل كثير من المخطوطات الخيميائية المصوّرة في عصرها، ومنها «بهاء الشمس».
لماذا لفافة لا كتاب؟
شكل اللفافة نفسه جزء من معناها. فالكتاب يُقرأ صفحة بعد صفحة، أما اللفافة فتعرض العمل كله دفعة واحدة، من المادة الأولى في الأعلى إلى الحجر الكامل في الأسفل، كأنها خريطة يتتبعها الخيميائي بعينه. ويرجّح بعض الباحثين أن بعض اللفائف كانت تُعلَّق على الجدار لتُتأمل، لا لتُقرأ في المختبر.
كيف نقرأها اليوم؟
تمثّل لفافة ريبلي جانبًا من الخيمياء كثيرًا ما يُنسى: لم تكن الخيمياء نصوصًا مكتوبة فقط، بل لغة بصرية كاملة تنقل خطوات العمل في المختبر بالرموز. وفهم هذه اللغة جزء من فهم تاريخ الكيمياء نفسها، ومن فهم الطريقة التي حفظت بها الثقافة الإنجليزية في عصر النهضة معرفتها وأحاطتها بالغموض.
المصادر والمراجع
- Jennifer M. Rampling، The Experimental Fire: Inventing English Alchemy, 1300–1700 ، University of Chicago Press، 2020.
- Jennifer M. Rampling، The Catalogue of the Ripley Corpus: Alchemical Writings Attributed to George Ripley (d. ca. 1490) ، Ambix 57، 2010.
- Jennifer M. Rampling، Elixirs for times of plague and bullion shortage ، Nature, Arts Review، 2020.
- Elias Ashmole (ed.)، Theatrum Chemicum Britannicum ، London، 1652. فيه «مركّب الخيمياء»، وأبيات «اللفافة الرمزية» المنسوبة إلى ريبلي.
- File:Ripley alchemical scroll - Prime matter as a toad putrefying in a vessel ، Wikimedia Commons. مصدر صورة الغلاف.


