طوائف الأسرار القديمة: إليوسيس وميثرا وإيزيس
قبل الماسونيين بقرون كان الناس يدخلون جماعات سرية بطقوس لا يجوز البوح بها. ماذا نعرف عن أسرار إليوسيس وعبادة ميثرا وإيزيس، وما الذي ضاع إلى الأبد؟

في هذا المقال
كلمة mystery في اللغات الأوروبية تعود إلى اليونانية، إلى كلمة mystes، أي الذي دخل طقسًا خاصًا وأقسم على الصمت. وهذا القسم نجح نجاحًا مدهشًا: فقد حضر هذه الطقوس آلاف الناس طوال قرون، ومع ذلك لا نعرف تفاصيلها الأساسية.
لم تكن هذه الطوائف ديانات بديلة في الغالب. كان الرجل يبقى على عبادات مدينته، ويضيف إليها تجربة اختارها بنفسه، يأمل منها قربًا شخصيًا من إله وحظًا أفضل بعد الموت.
أسرار إليوسيس
في بلدة إليوسيس قرب أثينا أقيمت لأكثر من ألف عام طقوس الإلهة ديميتر وابنتها برسيفوني، التي اختطفها إله العالم السفلي ثم عادت. والقصة تربط دورة الزرع بأمل عودة الحياة بعد الموت.
كان الدخول مفتوحًا لمن يفهم اليونانية ولم يرتكب جريمة قتل، بمن فيهم النساء والعبيد. وفي الخريف يسير المشاركون في موكب من أثينا إلى إليوسيس، ويشربون بعد الصوم مزيجًا من الشعير والماء والنعناع يُسمّى «الكيكيون». ثم يدخلون قاعة كبيرة اسمها «التيليستيريون».
تقول المصادر إن ما جرى فيها ثلاثة أشياء: أشياء فُعلت، وأشياء قيلت، وأشياء عُرضت. ولا نعرف أكثر من ذلك على وجه اليقين. وأثنى عليها الخطيب الروماني شيشرون، لأنها علّمت الناس أن يعيشوا بفرح ويموتوا بأمل أفضل.
واقترح باحثون عام 1978 أن الكيكيون كان يحتوي مادة مهلوسة من فطر الشعير، وهي فرضية لافتة لكن بلا دليل قاطع. وانتهت الطقوس في أواخر القرن الرابع الميلادي مع إجراءات الإمبراطور ثيودوسيوس ضد العبادات الوثنية.
ديونيسوس
ارتبطت طقوس إله الخمر بالرقص والنشوة. وفي عام 186 قبل الميلاد قمع مجلس الشيوخ الروماني جماعات «الباخوسيين» في إيطاليا بقرار ما زال نصه محفوظًا على لوح برونزي. وهي من أقدم الأمثلة الواضحة على ذعر دولة من جماعة سرية. أما المؤرخ ليفي فيصف طقوسًا فاحشة، لكنه يكتب بعد قرنين، بعين رسمية معادية.
إيزيس
انتقلت عبادة الإلهة المصرية إيزيس إلى العالم اليوناني الروماني. ولدينا عنها أوضح شهادة أدبية في رواية «الحمار الذهبي» لأبوليوس في القرن الثاني. يصف بطلها الدخول في الطقس، ثم يتوقف عند الحد الممنوع: وصل إلى حدود الموت، ورأى الشمس في منتصف الليل، ولا يمكنه أن يقول المزيد.
ميثرا
أقيمت طقوس ميثرا في قاعات صغيرة تشبه الكهوف، يجلس فيها الأعضاء على مصاطب حول وليمة مشتركة، وفي صدر القاعة صورة ميثرا وهو يذبح الثور.
- الأعضاء: رجال فقط، كثير منهم جنود وتجار وموظفون. وقد عُثر على معابدها في أنحاء الإمبراطورية الرومانية، ومنها بريطانيا.
- الدرجات: سبع يذكرها القديس جيروم وتؤكدها آثار من أوستيا: الغراب، والعريس، والجندي، والأسد، والفارسي، وساعي الشمس، والأب.
- الأصل: الاسم إيراني قديم، لكنّ باحثين يرون الطقس الروماني بناءً جديدًا لا امتدادًا مباشرًا لديانة فارس.
ربما كان النظام المتدرج في ميثرا أقرب ما عرفه العالم القديم إلى فكرة «الدرجات» في الجمعيات السرية الحديثة.
ولأن النصوص قليلة جدًا، فإن معنى ذبح الثور ما زال موضع خلاف، بين من يراه رمزًا للخلق ومن يقرؤه خريطة للنجوم.
ماذا ورثنا منها؟
تزعم جماعات حديثة كثيرة أنها ورثت «حكمة الأسرار» القديمة، ومنها فروع ماسونية والروزيكروشيون. وليس لهذا الزعم سلسلة تاريخية مثبتة. والأدق أن الأوروبيين أعادوا اكتشاف النصوص الكلاسيكية، فاستعاروا منها الفكرة والمفردات: الدخول، والدرجات، والقسم، والحقيقة المخفية عن العامة.
والعبرة التي تقدمها هذه الطوائف أن الناس يبحثون، في كل عصر، عن تجربة لا يعرفها الجميع، وعن وعد لا تقدمه الحياة اليومية.
المصادر والمراجع
- Walter Burkert، Ancient Mystery Cults ، Harvard University Press، 1987.
- George E. Mylonas، Eleusis and the Eleusinian Mysteries ، Princeton University Press، 1961.
- Manfred Clauss، The Roman Cult of Mithras: The God and His Mysteries ، Edinburgh University Press، 2000.
- أبوليوس، «الحمار الذهبي»، الكتاب 11. أشهر وصف قديم للدخول في أسرار إيزيس.
- Richard B. Spence، The Real History of Secret Societies ، The Great Courses، 2019.


